الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

330

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

كنا نعلم أن الفتى - في حال بقائه - سوف يكون سببا لأحداث أليمة تقع لأبيه وأمه في المستقبل . أما لماذا استخدم ضمير المتكلم في حالة الجمع ، بينما كان المتكلم فردا واحدا ، فإن سبب ذلك واضح ، حيث أنها ليست المرة الأولى التي يستخدم القرآن هذه الصيغة ، ففي كلام العرب عندما يتحدث الأشخاص الكبار عن أنفسهم فإنهم يستخدمون ضمير الجمع . والسبب في ذلك أن هؤلاء الأشخاص يملكون أشخاصا تحت أيديهم ويعطونهم الأوامر لتنفيذ الأعمال ، فالله يعطي الأوامر للملائكة ، والإنسان يعطي الأوامر للذين هم تحت يديه . ثم تحكي الآيات على لسان العالم قوله : فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما . إن تعبير ( أردنا ) و ( ربهما ) يطوي معاني كبيرة سوف نقف عليها بعد قليل . ( زكاة ) هنا بمعنى الطهارة والنظافة ، ولها مفهوم واسع حيث تشمل الإيمان والعمل الصالح ، وتتسع للأمور الدينية والمادية ، وقد يكون في هذا التعبير ما هو جواب على اعتراض موسى ( عليه السلام ) الذي قال : أقتلت نفسا زكية . . . . فقال له العالم في الجواب : إن هذه النفس ليست زكية ، وأردنا أن يبدلهما ربهما ابنا طاهرا بدلا عن ذلك . وفي روايات عديدة نقرأ " أبدلهما الله به جارية ولدت سبعين نبيا " ( 1 ) . في آخر آية من الآيات التي نبحثها ، كشف الرجل العالم عن السر الثالث الذي دعاه إلى بناء الجدار فقال : وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا . فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما . رحمة من ربك .

--> 1 - نور الثقلين ، ج 3 ، ص 286 و 287 .